محمد بن جرير الطبري
5
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يقول : بعدا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، عن سعيد بن جبير فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ قال : قال سحقا واد في جهنم . والقراء على تخفيف الحاء من السحق فسحقا ، وهو الصواب عندنا لأن الفصيح من كلام العرب ذلك ، ومن العرب من يحركها بالضم . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ . . . أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يقول تعالى ذكره : إن الذين يخافون ربهم بالغيب : يقول : وهم لم يروه لَهُمْ مَغْفِرَةٌ يقول : لهم عفو من الله عن ذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ يقول : وثواب من الله لهم على خشيتهم إياه بالغيب جزيل . وقوله : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ يقول جل ثناؤه : وأخفوا قولكم وكلامكم أيها الناس أو أعلنوه وأظهروه . إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يقول : إنه ذو علم بضمائر الصدور التي لم يتكلم بها ، فكيف بما نطق به وتكلم به ، أخفي ذلك أو أعلن ، لأن من لم تخف عليه ضمائر الصدور فغيرها أحرى أن لا يخفي عليه . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ هُوَ الَّذِي . . . إِلَيْهِ النُّشُورُ يقول تعالى ذكره : أَ لا يَعْلَمُ الرب جل ثناؤه مَنْ خَلَقَ من خلقه ؟ يقول : كيف يخفي عليه خلقه الذي خلق وَهُوَ اللَّطِيفُ بعباده الْخَبِيرُ بهم وبأعمالهم . وقوله : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا يقول تعالى ذكره : الله الذي جعل لكم الأرض ذلولا سهلها ، لكم . اختلف أهل العلم في معنى مَناكِبِها فقال بعضهم : مناكبها : جبالها . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي عن ابن عباس ، قوله : فِي مَناكِبِها يقول : جبالها . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن بشير بن كعب أنه قرأ هذه الآية : فَامْشُوا فِي مَناكِبِها فقال لجارية له : إن دريت ما مناكبها ، فأنت حرة لوجه الله ؛ قالت : فإن مناكبها : جبالها ، فكأنما سفع في وجهه ، ورغب في جاريته . فسأل ، منهم من أمره ، ومنهم من نهاه ، فسأل أبا الدرداء ، فقال : الخير في طمأنينة ، والشر في ريبة ، فذر ما يريبك إلى ما لا يريبك . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا معاذ بن هشام ، قال : ثني أبي ، عن قتادة ، عن بشير بن كعب ، بمثله سواء . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَامْشُوا فِي مَناكِبِها جبالها . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله فِي مَناكِبِها قال : في جبالها . وقال آخرون : مَناكِبِها أطرافها ونواحيها . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : فَامْشُوا فِي مَناكِبِها يقول : أمشوا في أطرافها . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن سعيد ، عن قتادة ، أن بشير بن كعب العدوي ، قرأ هذه الآية فَامْشُوا فِي مَناكِبِها فقال لجاريته : إن أخبرتني ما مناكبها ، فأنت حرة ، فقالت : نواحيها ؛ فأراد أن يتزوجها ، فسأل أبا الدرداء ، فقال : إن الخير في طمأنينة ، وإن الشر في ريبة ، فدع ما يريبك إلى مالا يريبك . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : فَامْشُوا فِي مَناكِبِها قال : طرقها وفجاجها . وأولى القولين عندي بالصواب قول من قال : معنى ذلك : فامشوا في نواحيها وجوانبها ، وذلك أن نواحيها نظير